أثار الحكم بإعدام الأستاذ طارق عزيز الكثير من التساؤلات.. لماذا الآن وبعد كل هذه السنوات؟ ألم يشبع ساكنو المنطقة الخضراء من دماء رموز النظام السابق؟ وهل أن تصفيته هي مطلب حكّام «العراق الجديد» فقط أم أنها مطلب أمريكي صهيوني أيضا؟ وبكل تأكيد، فإن هذه الأسئلة الحارقة تلد الكثير من الأسئلة الأخرى حول خفايا هذا الحكم وتوقيته.. وهذه الأسئلة وتلك تحتاج وقفة تأمل لمحاولة الفهم وتجميع عناصر قد توفر إجابة مقنعة. يعرف القاصي والداني أن الأستاذ طارق عزيز وهو من رفاق درب الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين قد تقلب في عديد المناصب السياسية لعلّ أبرزها حقيبة نائب لرئيس الوزراء وحقيبة وزير الخارجية العراقية، وهو بهذين الصفتين وبصفته الحزبية يعد من أبرز المساهمين في المطبخ السياسي العراقي وأحد أبرز العارفين بخفايا وخبايا حقبة مهمة من تاريخ العراق الحديث امتدت من ستينات القرن الماضي وحتى غزو العراق عام 2003. ولقد كان الرجل ديبلوماسيا غير عادي.. راكم سلاسة الخطاب وقوة الحجة وسرعة البديهة من جهة وحنكة الديبلوماسي وخبرته في التعاطي مع الاوساط الديبلوماسية اقليميا ودوليا من جهة أخرى.. ولعل انتماءه للديانة المسيحية جعل منه مرآة مقبولة لدى الغرب من جهة ثالثة... وبالمحصلة فإن هذا الرجل حاز على اجماع دولي حول شخصه الهادئ وآدائه المتزن والمعتدل... وهو ما جعله دائم الحضور في المطبخ السياسي والديبلوماسي العراقي لعشرات السنين.. وما جعله بالتالي يمسك بالكثير من الخيوط ويتحول الى شخص أشبه ما يكون ببنك للمعلومات الدقيقة والخطيرة، وللتفاصيل المثيرة والمعطيات المتعلقة بكل قضايا وملفات المنطقة خليجيا وعربيا ودوليا... ونحن لا نزال نذكر تألقه في فضح النوايا الأمريكية قبيل العدوان الثلاثيني في بداية تسعينات القرن الماضي وكيف قارع الوزير الامريكي جيمس بيكر واستدرجه للإفصاح عن النوايا الأمريكية المبيتة للعراق والرامية الى اعادته الى العصر الحجري وهو ما حدث بعد غزو العراق واحتلاله.. كما لا نزال نذكر صولاته وجولاته في عديد العواصمالغربية بالخصوص لفضح الأهداف الخفية للحصار الجائر الذي كان مفروضا على العراق والتي استشعر نظام الرئيس صدام انه (الحصار) كان تمهيدا لغزو العراق وإعادته فعلا الى القرون الوسطى واقصائه من معادلات وترتيبات الشرق الاوسط والخليج لتخلو الساحة للاعبين، نرى الآن بالعين المجردة تكالبهم على المنطقة العربية. وبالتأكيد، فإنه وفي ضوء ما تشهده المنطقة من تداعيات وما يقتضيه مخطط التفتيت و«إعادة تشكيل الشرق الاوسط الجديد» يصبح وجود أشخاص من طراز الأستاذ طارق عزيز أمرا مزعجا وغير مقبول.. وعند هذه النقطة تلتقي رغبات سكان المنطقة الخضراء مع رغبات الأمريكيين والصهاينة في استئصال صوت الضمير العراقي، وفي اغتيال عناوين الذاكرة العراقية لحقبة تمتد على أكثر من 30 سنة هي من أهم وأخطر حقبات التاريخ العراقي الحديث.. وحين تلتقي رغبات هذا الثالوث يضيق المكان بسياسي من عيار طارق عزيز كما ضاق بالأمس برفاق يتقدمهم الرئيس صدام حسين ويصبح تغييبه بالإعدام مطلبا لا يحتمل التأجيل حتى تطوى صفحة وتفتح أخرى، لا ضمير ولا ذاكرة فيها وتصلح لتدوين تاريخ «العراق الجديد» وإبداعات مروجي «ديمقراطية الدم والدبابات» بما فيها من دمار وانهيار يراد تسويقها على أنها «تحرير ونشر للديمقراطية»...