ترمب يلوّح بحاملة طائرات ثانية إذا فشلت المفاوضات مع إيران    عاجل/ نجاة هذا الرئيس من محاولة اغتيال..    عاجل/كلاسيكو "الجدل التحكيمي": إدارة التحكيم تحسمها بخصوص مباراة الافريقي والصفاقسي..(فيديو)    كأس ايطاليا: نابولي يودع المسابقة بخسارته أمام كومو بركلات الترجيح    عاجل/ تونس تحت تأثير منخفض جوي جديد..أمطار وانخفاض حاد في الحرارة..    سمير الوافي يرّد على اتهامات ضيفه''عادل'' بعد برنامج الوحش pro max    كندا: مقتل 10 أشخاص في إطلاق نار بمدرسة ثانوية    عاجل/ إطلاق نار في مدرسة بكندا..وهذه حصيلة الضحايا..    الطقس اليوم.. أمطار متفرّقة ورعدية تشمل هذه المناطق..#خبر_عاجل    عدوّك تحت المخدّة! سبب صادم وراء الشخير واضطراب النوم    السعودية: الملك سلمان يدعو إلى إقامة صلاة الاستسقاء في جميع مناطق المملكة    وثيقة تعيد ترامب إلى قضية إبستين    استزراع الاعشاب البحرية لحماية السواحل من الانجراف البحري من بين حلول قدمتها ورشة اختتام مشروع "اوريونتايت. تي ان" بجربة    تطاوين : وزير البيئة يتفقد المصب النهائي للنفايات بحي المهرجان ويعلن خططًا لتثمينها وتحسين الوضع البيئي    تعزيز مقاربة "الصحة الواحدة" بين تونس ومؤسسة ميريو الفرنسية    هجوم أمريكي غير مسبوق.. سيناتور يتوعد مصر وتركيا وقطر    إطلاق «سينما الأجنحة الصغيرة» في غزّة .. عندما تتحوّل السينما إلى مساحة شفاء وأمل لأكثر من نصف مليون طفل    بالمسرح البلدي بالعاصمة .. الموهبة فريال الزايدي تسحر الجمهور بعزفها على البيانو    أمطار يومية ورياح قوية منتظرة: عامر بحبّة يوضح تفاصيل التقلبات الجوية    قبلي .. ستيني ينتحر شنقًا    الإطار التشريعي للكراء المملك في الجلسة العامة    عاجل/ رفض الإفراج عن هذا القيادي بحركة النهضة..    بسبب سوء الأحوال الجوية .. تعديل في برمجة السفينة «قرطاج»    مع الشروق : متى يتعب العرب والمسلمون من الشجب والتنديد والإدانة؟    المتلوي.. انقلاب شاحنة لنقل الفسفاط وإصابة سائقها    عاجل: بطولة فزاع الدولية: البطل ياسين الڨنيشي يُهدي تونس الميدالية الذهبية    مقترح قانون البنك البريدي..تفاصيل جديدة..#خبر_عاجل    عاجل/ بشرى سارة لأحباء النادي الافريقي..    عاجل: بسبب عطب مفاجئ: انقطاع المياه بهذه المعتمديات في ثلاث ولايات    قناة "تونسنا" تطلق "هذا المساء وصابر الوسلاتي أول الضيوف    الرصد الجوي: الأمطار تركزت في جندوبة وباجة وبنزرت    رامز جلال يكشف عن''رامز ليفل الوحش'' لموسم رمضان    رؤية هلال رمضان مستحيلة...علاش؟    كيفاش تؤثر الخضروات المُرّة على صحة جهازك الهضمي؟    ورشة عمل يوم 13 فيفري بتونس العاصمة لمرافقة المؤسسات التونسية في وضع خرائط طريق للتصدير لسنة 2026    8 رياضيين يمثلون تونس في منافسات كأس إفريقيا للترياتلون بمصر    عاجل/ قرار بغلق معصرة في هذه الجهة..    مكتب "اليونيسيف" بتونس يُحذر من الاستعمالات غير الآمنة للذكاء الاصطناعي بالنسبة للأطفال    لقاء فكري بعنوان "الملكية الفكرية في مجال الفنون البصرية" يوم 13 فيفري بمدينة الثقافة    شكون كريستيان براكوني مدرب الترجي المؤقت؟    طبيب مختص يحذّر من تناول مُنتجات الألبان غير المُبسترة واللّحُوم    الدورة الثانية لمعرض 100 بالمائة هواري من 12 الى 15 فيفري 2026 ببهو دار الثقافة بالهوارية    جندوبة: مواطنون يعربون عن قلقلهم من تزايد حوادث الطرقات بالطريق الوطنية رقم 7 على مستوى معتمدية طبرقة    تظاهرة ترفيهية وتثقيفية لفائدة تلاميذ المدرسة الابتدائية "مركز والي" بصفاقس يوم 12فيفري 2026    عاجل-باجة: اكتشافات أثرية ب هنشير الماطرية تكشف أسرار المعبد الروماني    لأول مرة : درة زروق تكشف تفاصيل دورها في مسلسلها الرمضاني    بُشرى للتوانسة: سوم الحوت في رمضان باش يتراجع    شوف شنوّة ال3 سناريوهات الي تحدد أول أيام رمضان...الأربعاء أم الخميس؟    دُعاء العشر الأواخر من شعبان    قبل رمضان بأيامات: شوف سوم الحوت وين وصُل    عاجل/ فاجعة معهد بورقيبة: الناطق باسم محكمة المنستير يفجرها ويكشف..    سيدي حسين: القبض على المشتبه به في سلب ''حماص'' بعد تداول فيديو    حجز 3 أطنان من البطاطا بمخزن عشوائي..#خبر_عاجل    صدمة صحية: آلاف التونسيين لا يزالون يعالجون الصرع بالطرق الخاطئة    بطولة كرة اليد: كلاسيكو الترجي الرياضي والنجم الساحلي يتصدر برنامج الجولة ال11 إيابا    أبرز ما جاء في لقاء رئيس الدولة برئيسة الحكومة..#خبر_عاجل    عاجل/ تقديرات فلكية تحسمها بخصوص موعد أول يوم من شهر رمضان..    توزر: تسارع التحضيرات لشهر رمضان في المنازل وحركية في المطاحن التقليدية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مفهوم استقلال القضاء (1 / 3)
نشر في الشروق يوم 05 - 02 - 2011

ما من شك في أن المقصود باستقلال القضاء عند عامة الناس هو قدرة القاضي على إحباط سعي أصحاب الجاه و المال في إملاء الحكم عليه.
ومن المؤكّد أنه لن يكون لاستقلال القضاء المعنى المذكور في هذه الدراسة لأن النيل من إستقلال القضاء أمر ممكن ما بقي في المجتمع الواحد قضاة ورجال سلطة وأصحاب جاه ومال متعايشين.
وبما أنّ المجتمع لا يمكنه الاستغناء عن القضاة وعن الفئتين الأخريين لذا فإن التعايش بينهم أمر ضروري لا مفرّ منه.
وعلى كل فإن تدخّل أصحاب النفوذ في شؤون القضاء هو ظاهرة اجتماعية لا تنال أصلا من سلطة القضاء وكنهها وهي معضلة تصيب بعض الأفراد من ذوي الإرادة الضعيفة.
حقا إن مناعة الاستقلال مرآة لشخصية القاضي وأخلاقه لأنه اكتسب الاستقلال عن جدارة بمجرد اختياره الانتماء لسلطة معترف لها من الدستور بالاستقلال ولذا لم يبق له بعد أن أصبح قاضيا سوى الذود عن هذه المكاسب ولا يتطلب ذلك سوى الرجولة.
لا خوف على استقلال القضاء مادام القضاة يغارون عليه ويتصدون بكل قوّة لمن يحاول النيل منه مهما عظم نفوذه.
إن كان النيل من استقلال القضاء بالطريقة المذكورة هو ظاهرة عرضية وإنّ إمكانيّة التصدّي لها موجودة عند أهل الشأن أنفسهم وهي من شيم القضاة الكرام فإنّ النيل من استقلال القضاء بطريقة أخرى يبقى واردا وهو أمر خطير يتجسّم في وجود قوانين وتراتيب تحدّ من ممارسة المهنة بحريّة تمنع من النطق بالحكم اللازم النزيه وبهذه الطريقة يتمّ النيل من استقلال القضاء والإطاحة به بالكيفيّة التي سنحاول بيانها في هذه الدراسة التي تبقى في حاجة إلى المراجعة خاصّة عند تنقيح القانون بما يعزّز إستقلال القضاء ويتعارض معه.
وبذلك يتأكّد أنّ المقصود باستقلال القضاء في هذا الموطن هو قدرة القاضي على معالجة القضايا المتعهّد بها بكلّ حرّية وإصدار الأحكام المحقّقة للعدل والمبنية على اجتهاده النزيه المطلق.
لا شكّ في أن الاستقلال معترف به للقاضي بمجرّد إنتمائه للسلطة القضائية وإنتدابه بالخصوص للفصل وللنطق بأحكام حاسمة للنزاع لا يجد بعدها المتقاضون حرجا في أنفسهم مما قضى ويسلّموا به تسليما.
أمّا حريّة الفصل فإنّها تتجسّم في قدرة القاضي على التعهّد بالنوازل بصفة طبيعية والفصل فيها حسب إجتهاده المطلق والحاسم للنزاع.
لذا وجب التعرّض إلى مفهوم السلطة القضائيّة في الفصل الأول وإلى أركان استقلال القضاء في الفصل الثاني.
مفهوم السلطة القضائيّة
إنّ التساؤل عن حال القضاء في مجتمع معيّن هو تأكيد لوجود سلطة قضائيّة في هذا المجتمع إلاّ أنّ الوجود المادي وحده لا يكفي لأن المهمّ هو أن تكون لهذه مكانة في الدولة وما تتمتّع به من استقلاليّة.
لذا وجب التعرّض إلى مكانة السلطة القضائيّة في الدولة ثمّ إلى مدى استقلاليتها.
مكانة السلطة القضائية في الدولة
ما من شكّ في أنّ التطور الاجتماعي زاد المعاملات تشعّبا والاعتداءات حدّة وهو ما يِؤكّد مرّة أخرى أنّ مؤسسة القضاء ضرورة اجتماعية وهي إحدى السلط الثلاث التي يرتكز عليها النظام الجمهوري وهي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية علما أن كل سلطة هي مستقلة عن الأخرى.
ودون حاجة إلى الخوض في الجدل الذي قسّم رجال القانون إلى فريقين:
أحدهما يقول بأنّ القضاء سلطة في الدولة مثل السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والآخر يقول بأن القضاء ليس سلطة مثل السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية وإنما هو مؤسسة ذات نفوذ في الدولة:
1) فإن الذي تهمنا معرفته في هذا الموطن هو موقف المشرّع التونسي من القضاء ومن استقلاله.
مفهوم السلطة القضائيّة في التشريع التونسي
لقد أقرّ الدستور التونسي النظام الجمهوري وتعرّض لسلط الدولة الثلاث وهي:
السلطة التشريعية وقد خصّص لها بابه الثاني.
2) السلطة التنفيذية وقد خصّص لها بابه الثالث علما أنّ هذا الباب يحتوي على قسمين اثنين أوّلهما مخصّص لرئيس الجمهورية وثانيهما للحكومة وهو الباب الوحيد في الدستور الذي حظي بهذا التقسيم.
السلطة القضائية وقد خصّص لها بابه الرابع الذي تضمن الفصول التالية:
الفصل 64: تصدر الأحكام باسم الشعب وتنفذ باسم رئيس الجمهورية
الفصل 65: القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون
الفصل 66: تسمية القضاة تكون بأمر من رئيس الجمهورية بمقتضى ترشيح من مجلس القضاء الأعلى وكيفية انتدابهم يضبطها القانون.
الفصل 67: الضمانات اللازمة للقضاة من حيث التعيين والترقية والنقلة والتأديب يسهر على تحقيقها مجلس أعلى للقضاء يضبط القانون تركيبه واختصاصاته.
لئن تعرّض الدستور للسلطة القضائية مثلما تعرّض للسلطة التنفيذيّة وللسلطة التشريعية فإنّه يتعيّن بيان القيمة التي أقرّها لها مع تحديد طبيعة علاقتها بالسلطتين الأخريين.
القيمة الدستورية للسلطة القضائية
حتى نعرف القيمة الدستوريّة للسلطة القضائية نحاول مقارنتها بالسلط الأخرى من ناحية رتبتها وعدد الفصول المخصصة لها وهيئات القضاء المنتمية لها.
فبخصوص الرتبة:
إن الرتبة التي أعطاها الدستور للسلطة القضائية عند تعرّضه للسلط التي تتكوّن منها الدولة هي الرتبة الثالثة وبما أن عدد هذه السلط ثلاث فإن للسلطة القضائية المرتبة الأخيرة.
فبخصوص عدد الفصول:
بالرّجوع إلى الدستور قبل تنقيحه (1) قصد مقارنة عدد الفصول التي أقرّها لكل سلطة من سلط الدولة يتّضح أنه:
1 خصّص للسلطة التشريعية تسعة عشر فصلا (2)
2 خصّص للسلطة التنفيذيّة سبعة وعشرون فصلا (3)
3 خصّص للسلطة القضائيّة أربعة فصول (4)
ولو تناولنا بالمقارنة طول الفصول لأبرزت المقارنة أنّ الإيجاز الذي حظيت به فصول السلطة القضائية يجعل مجموعها أقلّ طولا من الفصلين 62 و 63 من بين السبعة والعشرين فصلا المخصّصة للسلطة التنفيذيّة.
على كل فبعد أن تعرّض الدستور للسلطة القضائية بين سلط الدولة الثلاث فمن البديهي أن تكون لهذه السلطة وحدها مهمّة ممارسة شؤون القضاء بكلّ أنواعه، فهل أقرّ الدستور هذا المبدأ وهل عهد بمهمّة القضاء بأنواعه للسلطة القضائية وحدها ؟
السلطة المؤهلة للقضاء في الدستور
من المفروض أن يخصّص الدستور للسلطة القضائية مؤلفة من كلّ هيئاتها بابا على غرار الطريقة المتوخّاة منه بالنسبة إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية ومع ذلك فإنه خصّص الباب الرابع للسلطة القضائية والباب الخامس للمحكمة العليا والباب السادس لمجلس الدولة.
لا شكّ أن المحكمة العليا ومثلها مجلس الدولة لا تشكّل كل هيئة منهما سلطة تضاهي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذيّة علما أن الدولة ترتكز أساسا على سلط ثلاث ومع ذلك فإن المحكمة العليا هيئة قضائية قائمة بذاتها ومجلس الدولة هيئة قضائية قائمة بذاتها هي الأخرى حسب الدستور.
لئن تعدّدت في الدستور هيئات القضاء فهل تنتمي كلّها إلى السلطة القضائيّة؟
انتماء هيئات القضاء؟
تعرض الدستور إلى ثلاث هيئات قضائية وهي:
هيئة القضاة
المحكمة العليا
مجلس الدولة
وبما أنّه خصّص لكلّ هيئة باب فإن هذا الإجراء يفيد من البداية بأنه من الممكن أن لا تنتمي كل هذه الهيئات لسلطة واحدة وإلى السلطة القضائيّة بالخصوص
هذا هو قصد الدستور لأنّه لو أقرّ خلاف ذلك بأن جعل كل الهيئات تنتمي لسلطة واحدة وهي السلطة القضائية لخصّص عندئذ للمحكمة العليا القسم الأوّل من الباب الرابع ولمجلس الدولة القسم الثاني منه على غرار التقسيم الوارد في الباب الثالث المتعلّق بالسلطة التنفيذيّة حين خصّص القسم الأوّل لرئيس الجمهوريّة والقسم الثاني للحكومة.
لئن كانت هذه الهيئات القضائية لا تنتمي إلى السلطة القضائيّة فإلى أي سلطة أخرى تنتمي هذه الهيئات القضائية ؟
لنبدأ بالمحكمة العليا ثمّ بمجلس الدولة ومؤسّسات القضاء الأخرى لنصل إلى هيئة القضاء.
1) المحكمة العليا:
لقد خصّص الدستور بابه الخامس للمحكمة العليا وهو يشتمل على فصل وحيد (5) وحسب هذا الترتيب فإنّ المحكمة العليا لا تتبع السلطة القضائيّة لخروجها عن الباب الرابع من الدستور وتفرّدها ببابه الخامس.
2) مجلس الدولة
لقد أقرّ الفصل 69 من الدستور أن مجلس الدولة يتركب من:
1 المحكمة الإدارية
2 دائرة المحاسبات
وأن تركيب مجلس الدولة ومشمولات أنظاره وإجراءاته يضبطها القانون
وقد صدر القانون عدد8 لسنة 1968 المؤرخ في 08 مارس 1968 المتعلق بتنظيم دائرة المحاسبات واقتضى فصله الثاني أن رئيس الجمهورية هو رئيس مجلس الدولة وكاتب الدولة للرئاسة (الوزير الأول) هو وكيل الرئيس وأن يلحق مجلس الدولة إداريا بكتابة الدولة للرئاسة(الوزارة الأولى)
كما صدر القانون عدد 67 لسنة 1972 المؤرخ في غرّة أوت 1972 والمتعلق بتسيير المحكمة الإدارية وضبط القانون الأساسي لأعضائها وأحدث مجلسا أعلى خاصا بهذه المحكمة يترأسه الوزير الأول حسب الفصل 7 ولا حاجة إلى مزيد التأكيد بأن هذه المؤسسة راجعة بالنظر إلى السلطة التنفيذية
3) مؤسسات القضاء الأخرى:
سوف لن يقع التعرّض في هذا المجال لمحكمة أمن الدولة التي لم يبق لها وجود بعد أن حذفت ومع ذلك لا يمكن القول بأن كل المؤسسات الأخرى تابعة للسلطة القضائية أمام وجود مؤسسة القضاء العسكري.
المحكمة العسكرية
لقد أحدث الأمر الصادر بتاريخ 10 جانفي 1957 محاكم عسكرية ونصبها للحكم زمن السلم وبصفة دائمة بداية من غرّة فيفري 1957 (6)ويشمل مرجع نظرها كامل تراب البلاد التونسية (7)
ومن المعلوم أن هذه المحاكم لا تقضي إلا في دعوى الحق العام ولا يمكن القيام لديها بالحق الشخصي (8)
ورغم أن القضاء العسكري جزائي بصفة عامة فإنه يختص بإجراءات تختلف عن الإجراءات المتبعة في القضاء الجزائي العادي منها التتبع الذي لا يجرى في القضايا الراجعة بالنظر إلى المحاكم العسكرية إلا بأمر من وزير الدفاع الوطني (9) إلا أنه يمكن للمدعي العام أو قاضي التحقيق في حالة التلبس مباشرة الأبحاث طبق القانون وعلى المدعي العام أن يعلم بذلك فورا وزير الدفاع الوطني لإستصدار أمر بالتتبع (10).
ويبقى هذا القضاء عسكريا وخاصا رغم أن رئيس المحكمة العسكرية الدائمة يجب أن يكون وقت السلم قاضيا مدنيا (11). لأن المحكمة تشتمل بالإضافة إليه على أربعة أعضاء عسكريين وأن الرئيس يتمّ تعيينه بأمر بناء على طلب من وزير العدل ولمدّة عام قابل للتجديد (12).
ومن البديهي أن تعهد إلى العسكريين في هذا النظام القضائي وظائف النيابة العمومية والضابطة العدلية والتحقيق الأولي والمساعدة القضائية.
وقد ضبطت مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية مرجع النظر الموضوعي والشخصي لهذه المحكمة في فصولها من 5 إلى 9 (13).
وبذلك نصل إلى القول بأن هذه المؤسسة تابعة للسلطة التنفيذية وبالتالي فهي غير تابعة هي الأخرى للسلطة القضائية وبأنه لم يبحث إستقلال القضاء موطنا آخر سوى هيئة القضاء العادي وإن ما يميز هذه المحكمة تمييزا أن قراراتها تعلو قرارات المحاكم العادية منها:
1) أن السلطات القضائية العسكرية هي وحدها التي تقدر ما إذا كانت القضية راجعة بالنظر إليها أم لا؟
2) أن كل خلاف يثار لدى سلطة قضائية أخرى في شأن مرجع النظر يحال على السلطة القضائية العسكرية لتفصل فيه قبل النظر في أساس الدعوى (14).
وعلى كل فإن ما يبرّر وجود هذه المحكمة المختصة هو إقتصارها على النظر في الجرائم العسكرية وتبقى بذلك مؤسسة تابعة للسلطة التنفيذية وبالتالي فهي غير تابعة هي الأخرى للسلطة القضائية.
وفي النهاية فإنه لم يبق لبحث إستقلال القضاء موطن آخر سوى هيئة القضاء العادي
هيئة القضاء العادي
بعد أن ثبت خروج المحكمة العليا ومجلس الدولة والمحكمة العسكريّّة عن السلطة القضائية التي تعرّض لها الدستور في بابه الرابع فما هو المقصود بهذه الهيئة؟
حقّا لم يبق لتجسيم وجود السلطة القضائيّة في الواقع سوى هيئة القضاء العادي.
لكن حتى تكون هذه الهيئة هي السلطة القضائيّة التي تعرّض لها الدستور لابدّ أن يثبت أمر هام يتعلق بتفريق هذه السلطة عن السلط الأخرى تطبيقا للمبدإ الدستوري الصريح، تضمّنته التوطئة حين أعلن ممثّلو الشعب التونسي المجتمعين في مجلس قومي تأسيسي بأنّ الشعب مصمّم على إقامة ديمقراطيّة قوامها نظام سياسي مستقر يتركّز علي قاعدة تفريق السلط.
ومن الطبيعي أن يكون استقلال القضاء نتيجة حتميّة لتفريق السلط واستقلال كل واحدة منها عن الأخرى.
ولقد اكتفى الدستور بما أقرّه بالتوطئة بخصوص تفريق السلط ولم يتعرّض لإستقلال السلطة التشريعيّة والسلطة التنفيذيّة ضمن البابين الثاني والثالث المخصّصين على التوالي لهما في حين تعرّض لإستقلال القضاة وليس القضاء في فصله 65 من بابه الرابع المخصّص للسلطة القضائيّة.
ما هو سبب تمييز القضاة وما هي غاية هذا التأكيد علما أنّ مبدأ تفريق السلط أقرّته التوطئة بصفة صريحة بالنسبة إلى جميع السلط أما مبدأ الاستقلال فإنّه ضمنيّ بالنسبة إلى السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة وهو صريح بالنسبة إلى القضاة في الدستور.
وعندي أنّ الدستور ما كان يحتاج لهذا التأكيد لو عهد بالقضاء في الدولة لهيئات تابعة كلها لسلطة واحدة وهي السلطة التشريعية لأنّ ما يساعد على وجود استقلال القضاء ويضمن بقاءه هو تكفّل السلطة القضائيّة دون سواها بإدارة شؤون جميع الهيئات المنتصبة للقضاء في البلاد وبالسهر على دواليب نظامها القضائي.
وبغياب هذه القاعدة يتعيّن البحث عن قصد الدستور من «الاستقلال» الوارد في فصله 65 القائل بأنّ: « القضاة مستقلّون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون»؟
استقلال القضاء وتوطئة الدستور
إنّ استقلال السلطة القضائيّة معترف به في توطئة الدستور وذلك بمناسبة إعلان عزم الشعب بواسطة نوابه أعضاء المجلس الدستوري على إقامة ديمقراطية قوامها نظام سياسي مستقرّ يرتكز على مبدإ تفريق السلط.
ودون خوض في الجدل القائم بين رجال القانون العام حول القيمة القانونيّة للقواعد الواردة بتوطئة الدستور فإننا نتبع من البداية وردّا لهذا الجدل رأي القائلين بأن للتوطئة قيمة دستوريّة تضاهي قيمة أحكام الدستور نفسه وهم الأكثر عددا والأمتن حجّة.
ولذا فمن نتائج قاعدة تفريق السلط الموجودة بالتوطئة استقلال السلطة القضائية وبالتالي استقلال القضاء.
ولا يفيد الاستقلال بأن السلطة القضائية لا تخضع للقوانين التي تصدرها السلطة التشريعية وتنفذها السلطة التنفيذية لأنه لو تحقّق هذا الأمر لأصبحت كلّ سلطة دولة وسط الدولة في حين أنها سلطة وسط الدولة ولكن الاستقلال يفيد تطبيقا للمبدإ الدستوري القاضي بتفريق السلط، إن القوانين التي تخضع لها السلط القضائية لا بدّ أن تكون دستوريّة ولا بدّ أن تكون محترمة لمبدإ تفريق السلط المعترف به في التوطئة وأن تكون بالتالي محترمة لاستقلال القضاء والقضاة.
إن الاستقلال هو الأصل في القضاء وليس للقانون أن يتدخل في شؤونه وعليه دستوريا أن يدعّمه وأن يضمن مناعته.
وهي قاعدة دستورية لا بدّ أن تسود كلّ قوانين البلاد وإن كان على قواعد القانون العادي أن تكون متّفقة مع القواعد الدستوريّة ومحترمة لها فمن باب أولى وأحرى أن تكون قواعد الدستور المتعلّقة باستقلال القضاة متّفقة مع قاعدة تفريق السلط التي أقرّتها صراحة توطئته وأن يتمّ الانسجام الكامل بينهما بخصوص مفهوم استقلال القضاء.
تلك إذن هي مقتضيات التوطئة المتعلّقة بتفريق السلط وبالتالي باستقلال القضاء ومفهومه فهل تتفق هذه المقتضيات مع مقتضيات الدستور المتعلّقة باستقلال القضاء عموما ؟
مفهوم استقلال القضاء في الدستور
جاء بالفصل 65 من الدستور أنّ « القضاة مستقلّون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون»
إنّ قراءة سريعة لهذا الفصل تبيّن أنّ المخاطب بخصوص الاستقلال هم القضاة وليست السلطة القضائية.
وبصرف النظر عن الجدل الفكري الذي تثيره محاولة التمييز بين مدلول استقلال السلطة القضائية ومدلول استقلال القضاة فإنّه يكفي الإشارة إلى:
1) أن المقصود بالسلطة القضائية في الدستور هي هيئة القضاء العادي.
2) وأن القضاة التابعين لهذه الهيئة مستقلّون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون.
ولذا المهمّ أن نعلم ما هو المقصود بهذا الاستقلال.
يفيد الدستور أن القضاة مستقلّون لكنّ هذا الاستقلال ليس تاما وإنّما هو مقيّد بهذا القانون لأن القضاة لا سلطان عليهم في قضائهم سوى القانون
فما هو القانون الذي هو سلطان على القضاة في قضائهم؟
يمكن القول في المعنى المذكور إن القانون المتعلق بالقضاة وبالنظام القضائي لا يكون دستوريا إلا إذا كان مجسّما لمبدإ تفريق السلط كما أنّه لا يكون دستوريا القانون الذي يحدّ من اجتهاد القاضي الشخصي ويمنعه من القضاء الحاسم لأنه لا خوف على القاضي من الضغوط التي تعترضه والرامية إلى حمله على إعتبار الأشخاص والمصالح في قضائه (15) لأن أمر صدّ التدخل موكول بالخصوص لضمير القاضي وشجاعته.
وإن القانون الضامن لإستقلال القاضي هو نتيجة حتمية لمبدإ تفريق السلط الذي أقرّه الدستور وأن ما يدعّم وجوده ويضمن دوامه في الواقع هو تمكين السلطة القضائية من:
قانون أساسي كفيل بالمحافظة على كرامة القاضي في ممارسة مهنته وترقيته ونقلته.
تشريع خال من القيود المعطلة للنطق بكلّ حرية بالأحكام العادلة والحاسمة للنزاع.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.