يذكر التاريخ أن الرئيس الشهيد ياسر عرفات اتخذ من السلام خيارا استراتيجيا... ومشى في طريق السلام عن يقين بأن هذا النهج يفضي في نهاية المطاف إلى قيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية. وظل الختيار متمسكا بهذا النهج وبهذه القناعات... متحليا بما يلزم من الصبر ومن القدرة على المناورة لتجاوز مراوغات الصهاينة.. ولإجهاض سياسة «التدويخ السياسي» التي اتبعوها معه والقاضية بتعداد محطات ومواعيد التفاوض مع تعمّد السعي لإنزال سقف المطالب الفلسطينية من محطة إلى أخرى... بحيث يقبض الطرف الفلسطيني الريح في نهاية المطاف ويكتشف بعد فوات الأوان بأنّ الفلسطينيين زرعوا الوهم ليجنوا السراب. الزعيم كان خبيرا بهذه العقلية والتكتيكات الصهيونية... وظل يحمل حلم الدولة ويرعاه مع شعبه وأمّته ليكبر ويقترب من التحقق على أرض الواقع ليرفع طفل فلسطيني أو زهرة فلسطينية علم فلسطين على أسوار القدس ومآذن القدس وكنائس القدس كما كان يقول.. عند هذا الحد أدرك الصهاينة أن دور الزعيم عرفات قد انتهى وأن تواصل المشروع الصهيوني القائم على التوسّع وعلى اغتصاب المزيد من الأراضي وليس إخلاء الأراضي (الضفة والقطاع والقدس الشرقية) لإقامة دولة فلسطينية بات يقتضي اختفاء الزعيم عرفات إلى الأبد... فتمت تصفيته بسم لا يرحم. الآن يبدو أن الصهاينة بصدد الإعداد لاستنساخ نفس السيناريو مع الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس (أبو مازن). فبعد أن مشى هو الآخر في طريق السلام، رغم تعرجاته وأشواكه ومطباته... ورغم أنه عمل على طريقته ووفق سياسة المتاح بالنظر إلى تحولات المشهد العربي والإقليمي والدولي وما باتت تتيحه من هوامش تحرك ومناورة ضيّقة جدا، فإن الصهاينة ما انفكوا يسعون إلى التضييق عليه وعزله في توجه يشي بأنهم باتوا يسعون إلى إنهاء دوره بالكامل... خاصة بعد أن أصبح مزعجا بحديثه المتكرر عن الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية رافضا بذلك سياسة الأمر الواقع الأمريكية الصهيونية بعد خطوة نقل السفارة إلى القدسالمحتلة... وكذلك بعد شجبه للجرائم الصهيونية في حق أبناء شعبه واعتزامه التوجه إلى مقاضاة الصهاينة أمام محكمة الجنايات الدولية.. وهذه خطوات تعد في منظور الصهاينة عناوين تمرّد ورفض للخضوع لإملاءات الصهاينة ولضغوط إدارة «ترامب» التي وصلت حد خنق «الانروا» وإغلاق الممثلية الفلسطينية في واشنطن وطرد السفير منها وهو ما يدعو صهيونيا إلى إنهاء دوره. والأكيد أن القيادة الفلسطينية الخبيرة أكثر من غيرها بأساليب الصهاينة وبغطرستهم اللامحدودة تستشعر دقة المرحلة وحجم المخاطر المحدقة بالقضية وبكل عناوينها الكبرى وفي طليعتها رأس القيادة الفلسطينية بعد أن باتوا مقتنعين بأن "أبو مازن "اليوم في طريقه لأن يصبح عقبة أمام مشاريعهم لتصفية القضية كما كان بالأمس أبو عمار قبل أن يعمدوا الى تصفيته بالسم... وهي أكيدا ستعمل على إجهاض كل المخططات الجهنمية التي تستهدف القضية الفلسطينية ورموزها...