من بين الإصدارات الجديدة التي تتناول الاحتلال الأمريكي للعراق رواية «على شفا جسد» للكاتبة رشا فاضل، وهذه الرواية متوجة بإحدى جوائز مجلة دبي الثقافية. ومن أبرز سمات الأعمال الأدبية التي تتناول موضوع الاحتلال انها تورث الوجع والألم لدى من يقرؤها فأي وجع وأي ألم سبّبته لكتّابها وهم يغوصون في غليان الدم العراقي المراق ثمنا لنزوة رئيس أمريكي معتوه ومعه شلّة من المسيحيين الجدد الذين لا تهمهم مصائر الشعوب فيقدمون على احتلالها وتخريب المدن وقتل الناس بالمجان؟ بطلة هذه الرواية «زهرة» فتاة حظها نكد، إذ أن والديها يذهبان في حادث سيارة وكانت طفلة رضيعة لا تفقه شيئا، فتكفلت بتربيتها خالتها التي امتنعت عن الاقتران بأي رجل من أجل أن تتفرّغ لتربية هذه الطفلة التي تبدأ الرواية وقد تخرّجت من الجامعة (قسم اللغة الانقليزية)، أما الخالة فكانت تعمل مدرّسة (لم تذكر الكاتبة اسم المدينة التي تقيمان فيها، ولكنها قريبة من بغداد ويمكن أن تكون أي مدينة من مدن الوسط العراقي).
كما أن الرواية تبدأ والعراق تحت الاحتلال في شهوره الأولى حيث تعمل زهرة مع الصليب الأحمر الدولي وتكلف بمهمة إيصال الرسائل التي يتسلمها الصليب الأحمر من المعتقلين الى أسرهم.
تقوم زهرة بتوزيع الرسائل رفقة السائق في سيارة تحمل علم الصليب الأحمر، ونلاحظ أنها إذ تسمي بعض المدن بأسمائها فإنها تعمد الى استبدال أسماء مدن أخرى رغم أن العارف بالشأن العراقي يستطيع أن يعرفها بسهولة، فتتعرف على «العوجة» أو «يجي» وقرى أخرى، والكاتبة فعلت ذلك عامدة إذ أن الاسم الدال أحيانا أهم من الاسم المباشر. تقدم لنا صورة لحياة الناس، الزوجات اللواتي اعتقل أزواجهن، والأمهات، والآباء (حكاية الأب الضّرير الذي اعتقلوا ابنه وبقي وحيدا لا أحد يعنى به، حتى ان زهرة وبلمسة إنسانية أمسكت بالمكنسة وقامت بإبعاد الأزبال المتراكمة في البيت عندما آلمها ما رأت وهي تحمل للأب رسالة من ابنه).
«زهرة» كأنها المرأة العراقية في مجابهتها كثير من التفاصيل، تنتقل من امرأة وحيدة، حالمة، عالمها اليومي محدود حيث لا صديقة لها إلا رفيقة دراستها «سروة» والمتزوجة من «حازم» والحالمة بطفل يأتي ثمرة لهذا الزواج، وتحقق ذلك بعملية ما يسمى «طفل الأنابيب» وكأن حكاية هذا الطفل تكرّر حكاية زهرة نفسها، إذ يتمّ اغتيال الأبوين وهما في طريقهما لاستخراج أوراق هذا الطفل الذي تركاه لدى الجيران! كأن الفواجع تتراكم على زهرة ومعاناتها وهي تستخرج الجثتين من الطب العدلي لغرض دفنهما. وتقرّر أن تبقي الطفل في عهدتها حتى يأتي أحد من أسرتي الوالدين المهجّرتين من بغداد الى دمشق.
لكن «زهرة» التي لم ترتبط برجل إلا بعاطفة بعيدة تظل ذكراها حيّة، تسترجعها في حالات وحدتها القصوى، تتذكر رجلا لكنها لم تفصح كيف مرّ بحياتها، وكيف عرفته؟ تنتظر أن يرنّ هاتفها الجوال فيأتيها صوته، ولكن هذا لم يحصل، حتى جاء «ناصر» الذي ظهر بسيارته الفارهة في يوم ممطر من تلك القرية النائية التي جعلتها تتساءل: لماذا يبني الناس قصورا بهذه الفخامة والضخامة؟ ألا تكفيهم بيوت ريفية جميلة؟ لعلها هنا تقدم لنا صورة عن مدينة «العوجة» وما حوت من بيوت فخمة، لكن إيقاع الحياة يظلّ ريفيا، ويظلّ الناس أمناء على تقاليدهم في الأحزان والأعراس، ووراء أسيجة القصور هناك دجاج كثير وحيوانات منزلية كالأبقار، والنساء يعددن لأسرهن خبز التنور العراقي الشهير.
يظهر «ناصر» ل «زهرة» ويصرّ على أن يوصلها بنفسه الى البيوت التي يحمل لها رسائل من أبنائهم المعتقلين غير عابئ بالمطر والوحل الذي تسرّب الى ثيابه وشوّه منظر سيارته.
و«ناصر» هو ابن هذه القرية ويقيم فيها رغم أن له شركة كبيرة يديرها بالوسائل الاعلامية الحديثة، كما تتفاجأ «زهرة» عندما تعرف أنه حاصل على درجة الدكتوراه، لكن الخيبة تصفعها عندما ينادونه «أبو عبد ا&» فهذا يعني أنه متزوج وله ولد اسمه عبد ا& ينادى عليه على عادة العراقيين باسم ولده مسبوقا بكلمة «أبو». ولكن «ناصرا» هذا يربك حياة زهرة وقد قامت بتقطيع بطاقته التي قدمها لها وفيها أرقام هواتفه الخاصة وفي الشركة.
ثم توفد زهرة من قبل ادارة الصليب الأحمر الى بيروت لحضور دورة حول مكافحة «الأيدز» وما فاجأها ان «ناصرا» قد لحق بها لتعيش بصحبته عدة أيام، رأت فيها ما لم تره من بيروت قبل عودته.
في الرواية تفاصيل كثيرة عن الاحتلال الذي خرّب مدن العراق بل وخرّب نفوس بعض البشر وصار العراقيون يقتلون ويهجّرون بعضهم. وفيها أيضا إيغال في تفاصيل حياة «زهرة» التي تبقى محور الرواية ومعها خالتها نموذج المرأة العراقية المضحية والصابرة. كما أن في الرواية نبرة سخرية جميلة تنفرش على امتدادها فكأن هذه السخرية مقابل لفداحة ما يجري في البلد.
ولم تشأ الكاتبة رشا فاضل ان تضع نهايات سعيدة للعلاقات التي نسجتها (علاقة زهرة وناصر مثلا) بل نجدها وقد تركتها أمام نهاية مفتوحة، وذهبت الى موضوع مأساوي لتجعله خاتمة الرواية وهو مقتل «سروة» صديقتها وزوجها «حازم» بتلك البشاعة ثم ذهابها مع سائق سيارة الصليب الأحمر الى «مشرحة بغداد» لتبحث بين ركام من الجثث وأوصال الجثث عنهما حتى تجدهما. فكأن الاحتلال لم يقدم للعراق الا هذا الموت المجاني الذي يذهب بسببه الأبرياء غالبا. لم يكن حضور «سروة» الا في الهاتف لكونها في بغداد، أما زوجها «حازم» فلم يظهر الا كاسم فقط. ولكن في خاتمة الرواية ظهرا معا جثتين كان من الممكن ان تظلا مجهولتين الى أشهر بل وسنوات.
هذه الرواية وثيقة أخرى، وثيقة ابداعية عن خراب العراق الذي نفّذه الامريكان بعد ان أوحى رب رئيسهم بوش الابن له بالذهاب الى بلاد الرافدين ليحتل البلد وتقلب عاليه سافله رغم ان أي تغيير في أي بلد ليس مهمة أمريكية بل مهمة وطنية اذا كان لابد منها فإن من ينفذها أبناء الشعب. في الرواية أخطاء طباعية ولغوية تمنيت لو أنها لم تكن حتى لا تفسد على القارئ سلامة قراءته لها.