قدر ما كانت الثورة التونسيّة نموذجا متفرّدا في جماله و في إنجازه و في وحدة الشعب التي لولاها لما تحقّق النصر، يتّجه المشهد الجديد الذي نعيشه يوما بعد يوم إلى خليط من الفوضى التي لا نملك إلاّ أن نراقبها متسائلين عن مسارها و المدى الذي سيتوقّف عنده. و لعلّ أكثر ما يحزّ في نفوس التونسيّين الذين ثاروا لإسقاط الدكتاتور الأكبر ما يشاهدونه اليوم من الدكتاتوريّين الصغار الذين انتصبوا ينظّرون باسم الشعب في جلسات مدوّية لم نر منها إلاّ الكثير من المؤشّرات المخيفة.نرى بعض هؤلاء في المنابر الإعلاميّة التي تدعوهم فنسمعهم يصارحوننا بأنّ خطرا داهما على تونس يهدّد مكاسب التونسيّين وانجازاتهم الأمر الذي يجب أن يحسب له ألف حساب.و لا يخفي هؤلاء الأوصياء على الشعب التونسيّ أنّهم جاهدون لدرء تلك المخاطر و سيعملون على محاصرة أعداء الثورة من "الظلاميّين ذوي الخطاب المزدوج الذين يريدون العودة بنا إلى القرون الوسطى". إنّنا لم نعد نسمع إلاّ هذه التحذيرات، نقرأها في الجرائد و تردّدها جميع الإذاعات العامّة و الخاصّة و تؤكّدها المنابر التلفزيونيّة التي لا يحضرها في الغالب إلاّ الطرف المهاجم الذي يجد كلّ التأييد و الثناء من الصحفيّين المنشّطين أو الصحفيين الضيوف و كان الأجدر بهم أن يكونوا محايدين محترمين لجميع الأطراف بما فيها الطرف الغائب أو المغيّب. الإسلاميّون من جهتهم بعثوا بالكثير من الرسائل المطمئنة مؤكّدين على التزامهم بقواعد اللعبة الديمقراطيّة و احترامهم لمكاسب المجتمع التونسيّ أو لنقل مكاسب المرأة التونسيّة و مجلّة الأحوال الشخصيّة التي يعتبرونها قراءة اجتهاديّة لبعض أعلام الزيتونة الأجلاّء.غير أنّ الخائفين لا يثقون بهذه التطمينات بدعوى أنّ هؤلاء الإسلاميّين عرفوا بخطابهم المزدوج. فما العمل الآن؟ من ستصدّق أيّها التونسيّ؟ و أين ستضع نفسك و عاصفة الجدل بين الإسلاميّين و اليساريّين تشتدّ يوما بعد يوم في ما يسمّى بمجلس حماية الثورة الذي تحوّل إلى حضانة فراخ لتدجين ثورتك و العبث بمستقبلها كما تثبته التقارير التي تعبّر عن الكثير من التحفّظات و تثير العديد من التساؤلات حول الجدل العقيم الذي يدور بين أعضاء ذلك المجلس و الترتيبات التي يعملون على صياغتها لإحراج أطراف معيّنة و التشويش عليها. في مقابل ذلك يشهد الوضع الاقتصادي و الاجتماعيّ للبلاد من جنوبها إلى شمالها اضطرابا غير مسبوق فبالإضافة إلى الاعتصامات و الإضرابات و الاحتجاجات بشتّى أنواعها تفاجئنا وسائل الإعلام بأخبار سوداء عن ضحايا المعارك التي تغذّيها العصبيّة القبليّة أو العروشيّة التي لم نكن نسمع بها من قبل. و المتأمّل في الصورة سيجد أنّ خلفيّتها انعكاس للسياسات السابقة التي عمّقت التفاوت بين الجهات و عمّقت النعرات الجهويّة و الأحقاد المشروعة التي ما كانت لتظهر لو شملت التنمية جميع المدن و القرى، فلا تضامن و لا استقرار و لا رفاه إلاّ بالتوزيع العادل للثروات و العمل على النهوض بجميع الجهات. و من يشاهد الصورة اليوم عليه أن لا يهمل خلفيّتها فما يحدث من اضطرابات و نزاعات و انفلات أمنيّ هو أيضا انعكاس تلك النزاعات الحزبيّة التي تحبط من يتابعها و تزعزع ثقته بالمستقبل، فتهافت الأحزاب على تحقيق المصالح و المكاسب الضيّقة يبدو للشعب سلوكا أنانيّا لا ينتج إلاّ أنانيّة مماثلة في المجتمع الأمر الذي تؤكّده الأحداث المؤسفة التي عرفتها الكثير من الجهات باعتبارها ردود أفعال لحالة التشاؤم التي أنتجها الوضع السياسيّ العقيم. و عليه فإنّ الخروج من هذه الأزمة لا يكون إلاّ بحوار حضاريّ بين جميع الأحزاب و أطراف المجتمع المدنيّ تكون فيه المصلحة العليا لمستقبل الشعب التونسيّ لا مستقبل ذلك الحزب أو تلك الحركة. و على الإعلام أن يقوم برسالته في حياد تامّ لأنّ الحياد هو الكفيل باحترام كلّ فئات الشعب و كلّ تياراته الفكريّة و بذلك فقط نضمن الخروج من دوائر العنف و انزلاقاته الخطيرة و لتكن البداية بنبذ العنف اللفظيّ الذي تشهده الساحة الحزبيّة و تساهم بعض وسائل الإعلام في تكريسه، لأنّ تنقية الأجواء بين أفراد النخبة قادر على تنقيتها بين أفراد المجتمع، و بذلك يتطوّر المناخ العامّ نحو الهدوء الذي نحتاجه ليساعدنا على اختيار الطريق التي سنسلكها لتحقيق الغد الأفضل لتونس و شعبها.