بعد رفضه ختم القانون الانتخابي..«تحيا تونس»: السبسي خرق الدستور    منوبة: إخماد حريق هائل بمصنع للملابس المستعملة...خسائر بالملايين    زيدان: من الجيد للجميع رحيل بيل    اتحاد بن قردان والنادي الصفاقسي يتعرفان على منافسيهما في كأس «الكاف»    رابطة الأبطال: «الكاف» يسلط عقوبات على الترجي... والنجم يتعرّف على منافسه    النّادي الصفاقسي يتعادل ودّيا مع ضمك السّعودي (1 – 1)    حالة الطقس ليوم الاثنين 22 جويلية 2019    بنزرت: العثور على جثة غواص مفقود بسواحل جالطة    "كونسيرتو مالقا": نسمات الفن الأندلسي تغازل محبّي الموسيقى السمفونية    بسبب مصيفة طيران: الإبلاغ عن وجود قنبلة في مطار بلغراد    سيدي بوزيد: تفاصيل إصابة 10 عاملات فلاحيات في حادث مرور مريع (متابعة)    حفتر يعين آمرا جديدا لمجموعة عمليات المنطقة الغربية    القيادي بحركة نداء تونس محمد بن صوف يعلن إستقالته من الحزب ومن جميع هياكله    مجلس أمناء الجبهة الشعبية يتهم الشاهد بالتواطؤ مع حزب ''الوطد'' لإقصاء الجبهة من الإنتخابات    حركة تحيا تونس تعتبر عدم ختم رئيس الدولة للقانون الإنتخابي المعدل خرقا للدستور وسابقة خطيرة تهدد المسار الديمقراطي    ما حقيقة وفاة أردوغان؟    فصل "النوب": لا نوبة بعد نوبة 1991..    إجراء جديد لفائدة الأئمة    سلمى اللومي لالصباح نيوز: انتمي لحزب الامل..ولا علاقة لي بحزب آمنة منصور    حركة تحيا تونس تعلّق على عدم ختم رئيس الدولة للقانون الإنتخابي    الادارة الجهوية للصحة بنابل تقترح غلق محلات سياحية    الملح يسبّب أمراضا خطيرة    الجيش الأمريكي يستعد لعملية عسكرية في الخليج    أمل الحمروني تجدّد العهد مع الإفريقي    إحباط عملية اجتياز للحدود البحرية والقبض على 26 شخصا    نجم في الذاكرة ..محمد عبد الوهاب كروان الشرق 18»    لهذه الاسباب سيغيب مهرجان أوسّو هذه السنة …اين وزارة السياحة والثقافة    ظهور الحب في اللسان    نصائح جدتي ..معالجة مشكل ثقل اللسان    أكاديمي سعودي سعيدٌ بخروج تونس من كأس الأمم الإفريقية    تسنيم قزبار تعدل عن الترشح مع النهضة    ريحة البلاد .. بلال بن أحمد قرمبالية..سنمثل تونس أحسن تمثيل في الخارج    معهم في رحلاتهم    تاجروين- الكاف: القبض على شخص وحجز أكثر من 05 كلغ من مخدر القنب الهندي “زطلة”    سوسة..تكريم الفائزين في المناظرة التونسية للمنتجات الفلاحية المحلية    رينار يعلن استقالته من تدريب المغرب    الديوانة تحجز سبائك من الذهب بقيمة 5 مليارات    الهيئة الفرعية للانتخابات نابل 1 تنظم عملية محاكاة لقبول الترشحات للانتخابات التشريعية 2019    بكلمات مؤثرة.. زيدان يهنئ محاربي الصحراء    نتائج ممتازة للاتحاد البنكي للتجارة والصناعة    صوت الشارع..ما هي أسباب تضاعف ظاهرة «البراكاجات» والسلب المسلّح ؟    فايا يونان في قرطاج ..صوت صغير في مسرح كبير    عروض اليوم    الفنّانة السّورية فايا يونان في مهرجان صفاقس الدّولي هذا المساء    إجراءات عاجلة لاجلاء صابة الحبوب وتخفيف الضغط على مراكز التجميع    ممثل كوميدي يموت على المسرح...والجمهور ظنه يمثل (صورة)    الخطوط الألمانية والبريطانية تعلقان رحلاتهما إلى مصر    بالفيديو.. نجم سينما صيني كاد يموت طعنا أمام جمهوره    أزمة الطماطم الفصلية المعدّة للتحويل بالقيروان..سماسرة يتلاعبون بالأسعار وخسائر بالملايين    تحذير من الخارجية المصرية بشأن تأشيرات "شنغن"    امريكا: وفاة 6 أشخاص بسبب موجة الحر    مهرجان قابس الدولي: بين الدبكة السورية والاغاني العاطفية.. الديك يمتع جمهوره    2،5 مليون قنطار من الحبوب موجودة في العراء.. اتخاذ إجراءات عاجلة    جسر سياحي مغاربي بين تونس والجزائر والمغرب    صفاقس تحتضن تظاهرة الحجّ التّدريبي لحجّاج ولايات الجنوب    استحمت بالعدسات اللاصقة ففقدت بصرها    في الحب والمال: هذا ما يخفيه لكم حظكم اليوم    5 نصائح لتشجيع طفلك .. على تناول الأكل الصحي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





عيسى البكوش يكتب لكم : زكرياء بن مصطفى رائد البيئة في تونس في ذمّة الله
نشر في الصريح يوم 08 - 06 - 2019


زكرياء بن مصطفى هو رجلٌ متعدّدٌ.
هو ممّن يحقّ فيهم القول : إنّه أمّة اجتمعت في إنسان.
إنّ حياته التي امتدّت من بواكير القرن العشرين إلى يوم الثلاثاء 04 جوان 2019 إنّما هي في المحصّلة كتاب ضخم به أبواب وفصول متنوّعة ومتناغمة في آن.
لكن الخط الرفيع والرابط بين كلّ أجزاء هذا الكتاب الذي بين أيدينا هو الحسّ المرهف لدى صاحبه تجاه ما اصطلح على تسميته منذ خمسينات القرن الماضي بحماية المحيط والمحافظة على البيئة.
إنّي أجزم أنه الرائد في هذا المضمار وأنه المثل والنبراس، وحسبي أن أذكر باختصار شديد أهمّ الأعمال التي اقترفها الرجل والإنجازات التي سيزكّيها التاريخ والبصمات التي ستخلّدها الأجيال.
أليس هو الذي أشار على الرئيس بورقيبة بسنّ يوم في السنة للاحتفال بالشجرة وذلك إثر عودته من رحلة كشفيّة إلى لبنان بلد الأرز، هاته الشجرة التي أضحت راية للبلد.
أنّي أعلم النّاس بتعلّق القائد زكرياء بشجرتنا الرّمز – أي الزيتونة – ولقد صدّر أوّل أعداد مجلّة " مواقع ومعالم " التي أسّسها في بداية التسعينات، بصورة للشجرة المعمّرة في منطقة الشرف بالهوارية ولذلك فلا أخاله إلا مباركا وهو في دار الخلد لما جال بخاطري مرّة وفاتحته في شأنه : هل يأتي زمان تتصدّر فيه هاته الشجرة المباركة رايتنا الوطنية؟.
لنمرّ من النبات إلى الحيوان البحري والبرّي، نتحدّث كثيرا هذه الأيّام عن حديقة الحيوانات في البلفدير، ولكن قليل منّا يعلم أنّ منشئها هو سي زكرياء وهو الذي طلب من الرئيس بورقيبة الذي كان يستعدّ للقيام بجولة في بعض بلدان إفريقيا تحت الصحراء للاتفاق مع رؤسائها لمنح تونس نماذج من حيواناتها النّادرة لدينا، وهو ما تمّ فعلا وتعهّد صاحب الفكرة بإتمام هذا العمل الجسور، ثمّ تواصل هذا العطاء بل تصاعد إذ أقدم الرجل عام 1971 على إتيان أمر طريف في البلد وهو إنشاء جمعية للمحافظة على البيئة وهو ما اعتبر من طرف العديد من الفاعلين السياسيين ترفا.
ولم يأبه لذلك الرئيس الأوّل للجمعية الأولى في تاريخ هذا الصنف من الجمعيات إذ أنّه شارك صحبة الأستاذة هادية بكّار - وهي تعتبر بدورها رائدة في هذا المجال – في القمّة الأولى للمحيط في ستوكهولم.
وفي الثمانينات بعث سي زكريا - المناضل الدستوري- صلب حزبه خليّة حول البيئة. ولقد توالت اجتماعات الخبراء والمختصّين في هذا الشأن على امتداد عشرات الأسابيع وأنتجت ما يشبه الموسوعة التي يمكن للباحثين الرجوع إليها.
لقد امتدّت علاقاتي الوطيدة مع فقيد الوطن دون انقطاع منذ أن شرّفني -وهو القائد الهمام للكشافة التونسية- بمنحي شارة القيادة عام 1962.
لقد كان حريصا وهو شيخ مدينة تونس بل وأشدّ ما يكون عليه الحرص على لفت نظري - وأنا بدوري شيخا لمدينة أريانة- حول الإخلالات البيئية في دائرة التراب البلدي الراجعة لنا بالنظر، فقد كان يقبل عليّ في مقرّ البلديّة وبيده ورقة تحمل رقم شاحنة اعترضها عندما كان سائقها يرمي بحمولة من فواضل البناء على جنبات إحدى الطرق.
وعندما غادرنا المسؤوليات البلدية انخرطت إلى جانبه في الحراك البيئي وتشرّفت سنة 1991 بحضوره ورئاسته للجلسة التأسيسية لجمعية أريانة للمحافظة على المحيط.
ولعلّ أهمّ ذكرى ستبقى عالقة في ذاكرتي وهي بحسب تقديري ومعرفتي للرجل تختزل مسيرته التي نذر خلالها حياته للمحافظة على هوية هذا البلد الذي أحبّه حتى النخاع.
لقد زرنا منذ مدّة بنك الجينات، هذا الإنجاز الذي كثيرا ما نادى ببعثه، ولقد استقبلنا المشرف عليه آنذاك الدكتور منوّر الجمّالي الذي جال بنا في كافة أروقة البنك وكان سي زكرياء منتشيا سعيدا بتحقيق أغلى أمنياته في المحافظة على الأصول النباتية للبلاد التونسيّة.
واستحضرت حينها ما كان رواه لي عن طفولته عندما كان يصطحب أباه المنعّم رشيد بن مصطفى -وهو من هو من أركان الخلدونيّة وأحد مؤسسي الرشيدية- ولقد أطلق المجلس البلدي أخيرا مشكورا اسمه على أحد أنهج منطقة العمران.
قلت كان سي زكرياء صحبة أخيه القائد سليم يأخذهما الوالد إلى قربة في فصل الصيف، فكان الطفل زكرياء يقضي أوقات العطل بين الرمال الذهبيّة في الشاطئ والفواكه والتوابل في أسواق المدينة، وكان يستنشق ما تبثّه في الجوّ من الروائح: لقد اصطبغت حياة الرجل بأريج الأشجار الفوّاحة – الزنزفورة أنموذجا- والتي غمرت بستان منزله، لقد أسرّ لي سي زكرياء أنّه فكر عند بلوغه سنّ التقاعد – ولكنّه لم يتقاعد أبدا- في كراء محل لبيع الطيوب بالعطّارين، " حتى لو لم أنل الربح في هاته التجارة فإنّي أنال الربح تأسّيا بما قاله الخليفة عمر بن الخطاب عند ذكره لحرفة العطار".
لقد عبّرت له يوما عن الأمنية التي تراودني : بعث متحف للطيوب في فضاء العطارين. ولقد تبّنت هذه الفكرة هيئة جمعية معالم ومواقع التي بعثها سي زكرياء ويترأسّها باقتدار الدكتور عبد العزيز الدولاتلي ولعلنا نتوفق بحول الله في بلورة هذا المقترح وتجسيمه حتى يعود الألق إلى هذه المدينة العطرة التي فاح أريجها منذ أبي زكرياء مؤسس سوق العطارين إلى زكرياء بن مصطفى قائدنا وقدوتنا بالأمس... وغدا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.