في مثل هذا اليوم من سنة 1985، وتحديدا في ضاحية حمام الشطجنوب العاصمة التونسية، قام سرب من الطائرات الحربية الإسرائيلية، صباحا بغارة جوية استهدفت مقر منظمة التحرير الفلسطينية بحمام الشطّ أسفرت عن تدمير مقر منظمة التحرير بالكامل واستشهاد نحو 70 شخصا بين فلسطينيين وتونسيين بالإضافة الى عشرات الجرحى من الجانبين(التونسي والفلسطيني) غير أنها لم تتمكّن من القضاء على القيادة الفلسطينية. وفي هذا السياق أوضح استاذ التاريخ المعاصر، عبد اللطيف الحناشي، أن هذا العدوان الخارجي هو الثاني الذي تعرضت له الدولة التونسية المستقلة ذات السيادة بعد الغارة الجوية التي قامت بها الطائرات الفرنسية يوم 8 فيفري 1958 على قرية "ساقية سيدي يوسف". واضاف عبد اللطيف الحناشي في نفس الموضوع أن التقارير الدبلوماسية اللاحقة كشفق أن إسرائيل قد أعدت للعملية قبل أربعة أشهر من حدوثها وأنها استخدمت خلالها مختلف أشكال الاستطلاع وكل المعلومات والوسائل التي يتيحها الاتفاق الاستراتيجي الموقع بينها والولاياتالمتحدةالأمريكية، حيث صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي اسحق رابين أنه تمّ إعلام الإدارة الأمريكية بالعملية قبل نهايتها بقليل واعتبر حينها أن تونس حاضنة للإرهابيين الفلسطينيين ولذلك يجب ":ضرب الإرهاب على الرأس.." وفق تعبيره. وقد اعترفت إسرائيل بتنفيذها لتلك العملية . الباجي قائد السبسي وإدارة الأزمة: وتزامنا مع وقوع هذه الحادثة أفاد عبد اللطيف الحناشي، أن وزير الخارجية آنذاك وهو الباجي قائد السبسي، كان موجودا بنيويورك يتابع أشغال الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة و كانت كل العوامل مساعدة لإدارة الأزمة بأقل معاناة خاصة وأن السبسي يحظى بثقة الرئيس من جهة وبمواقف مؤيدة لتونس من كل الأطراف تقريبا. واعتبر أستاذ التاريخ المعاصر أن المشكلة الأساسية التي واجهت الدبلوماسية التونسية في إدارة الأزمة تمثلت في الإمكانية شبه المؤكدة لاستخدام الفيتو من قبل حلفاء اسرائيل وخاصة الولاياتالمتحدةالأمريكية منعا لأي إدانة ضدها، خاصة اذا تضمنت الشكوى أي إشارة للفلسطينيين أو القضية الفلسطينية، لكن الدول المعنية جميعها أدانت العملية باستثناء الولاياتالمتحدةالأمريكية التي قدّمت تبريرات واعتبرت أن ذلك دفاع عن النفس ومواجهة الإرهاب. واضاف الحناشي أن وزير الشؤون الخارجية التونسي، الباجي قائد السبسي حينها، قد صرّح وهو في نيويورك، وبعد حدوث الاعتداء مباشرة، أن الهدف من وراء الاعتداء هو"..نسف الجهود التي تسعى لإيجاد حل عادل ودائم للمشكل الفلسطيني..وأن عملهم الإرهابي يندرج في خط سياستهم الرافضة دوما لكل حل سلمي والمحبطة لكل جهود السلام..". وبالنتيجة يظهر أن الدبلوماسية التونسية عملت لتحقيق هدفين اثنين هما أولا إدانة قيام اسرائيل بخرق سيادتها والاعتداء على ترابها الوطني وإلزامها بدفع التعويضات، ثانيا تحييد الموقف الأمريكي باتجاه عدم استخدامه للفيتو ضد المشروع. واشار محدثنا الى أنه على هذا الأساس قامت مشاورات ومباحثات الوفد التونسي لتحويل مسار الموقف الأمريكي من الموقف المؤيد لإسرائيل، إلى الموقف المتفهم وصولا إلى التخلي عن استخدام الفيتو، وقد كان ذلك ممكن التحقيق باعتبار المساندة العامة من جميع الأطراف وخاصة تحت ضغط الموقف الأوروبي والموقف المصري المساند بشكل مطلق للمشروع التونسي وبغياب البعد الفلسطيني في مضمون الشكوى الفلسطينية. وبيّن أن الولاياتالمتحدةالأمريكية تلكّأت في البداية وناورت ثم قبلت ولكن بشرط أن لا تقع إدانة دولة اسرائيل صراحة و بالاسم وهو ما تم بالفعل حيث أدان المجلس العملية، دون أن يدين إسرائيل، وقد صرح كاتب الدولة لدى وزير الشوؤن الخارجية محمود المستيري عقب خروج القرار"أن لا فرق بين العملية ومرتكبيها.." ثم استدرك قائلا" كنا نتمنى ذلك الا أن الإدانة المباشرة لإسرائيل احترزت عليها الدول الأوروبية والولاياتالمتحدة..". وقال عبد اللطيف الحناشي إن الحكومة التونسية اعتبرت حينها أن ما توصّل إليه المجلس يعدّ انتصارا دبلوماسيا كبيرا، وإن إمساك الولاياتالمتحدة عن التصويت في قضايا ذات علاقة بإسرائيل يعدّ حدثا في حدّ ذاته.