احصى المؤرخون مَن قَتَلَهم الرشيد من غلمان جعفر البرمكي ومواليه وجنوده اكثر من ألف شخص، وأمر أن لا يرجع أحد من بقية اتباعهم إلى وطنه خوف أن يحرضوا الناس على الثورة، وشتَّت بعضهم في البلاد. وأتُيَ بصبيين صغيرين كانا ولدي جعفر، فأَمَرَ بضَرْب عنقيهما، وأمر أن لا تُذْكَرَ البرامكة في مجلسه، ولا يستعانَ بمن بقي منهم في بغداد، ولكن ذلك كله لم يطمئن زبيدة والفضل بن الربيع وغيرهما مادام يحيى والفضل حيين فإذا خرجا من السجن فربما دبرا الانتقام ممن كان السبب، فدسوا لهما وظلوا يخوفون الرشيد منهما فما كان منه الا شدد على يحيى وكان شيخًا كبيرًا وزاد في حديده وأغلاله، وأَحْضَر الفضل، وضَرَبَه سياطًا حتى كاد أن يهلكه. ورجا يحيى البرمكي ان يجد بعض الرحمة لدى الرشيد اذا حدثه بما قام به تجاهه من ايادي فكتب اليه رسالة قال فيها إلى أمير المؤمنين، ونسل المهديين، وإمام المسلمين، وخليفة رسول رب العالمين، مِن عبْدٍ أسلمَتْهُ ذنوبه، وأوقعَتْهُ عيوبه، وخذلَهُ شقيقه، ورفَضَه صديقه، وخانه الزمان، وأناخ عليه الخذلان، ونزل به الحدثان فصار إلى الضيق بعْد السعة، وعالج الموت بعْد الدعة، وشرب كأس الموت مترعة، وافترش السخط بعْد الرضا، واكتحل بالسهر بعْد الكرى. يا أمير المؤمنين … قد أصابتني مصيبتان: الحالُ والمال؛ أما المال فمنك ولك، وكان في يدي عاريةً منك، ولا بأس برد العواري إلى أهلها، وأما المصيبة بجعفر؛ فبجرمه وجرأته، وعاقبْتَه بما استخف من أمرك، وأما أنا فاذكر خدمتي، وارحم ضعفي، ووَهَنَ قُوَّتي، وهب لي رضاك؛ فمِن مثلي الزلل، ومِن مِثلك الإقالة، ولست أعتبر … ولكني أقر، وقد رجوت أن أفوز برضاك، وتقْبَلَ عذري، وصِدْق نيتي، وظاهر طاعتي، ففي ذلك ما يكتفي به أمير المؤمنين، ويرى الحقيقة فيه، ويبلغ المراد منه. فوقَّع الرشيد على هذا الخطاب بالآية الآتية: بسم لله الرحمن الرحيم ﴿وَضَرَبَ للهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ للهِ فَأَذَاقَهَا للهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾، فيئس يحيى، وظَلَّ في السجن حتى مات . ولئن شكك عدد من المؤرخين في دقة هذه الرواية ، فانها لا تبتعد كثيرا عما اجمع عليه بعضهم . من ان الرشيد ومعاونه الفضل بن الربيع كانا معذورَيْن في بعض ذلك؛ لأنهما رأيا أن الدولة العربية تزول شيئًا فشيئًا، حتى لم يبْقَ للعرب في المملكة سلطان، وأن السُّلطة تزيد في الفرس يومًا فيومًا حتى قبض البرامكة على كل ما للدولة من شؤون. وقد يضاف إلى ذلك ما يروي بعض المؤرخين من أن الرشيد كان لا يستغني عن اخته العباسة ووزيره جعفر في مجالسه وجلسات مرحه ، فاضطر الى ان يعقد له عليها؛ حتى يحل اجتماعهما، وأمره أن لا يمسها فتعهد له بذلك، ثم طغى عليهما سلطان الغرام، ورغم ان عددا من المؤرخين مثل ابن خلدون استبعدوا هذه الرواية ؛ فان غيرهم اثبتوها وعللوا بها مقتل جعفر المفاجئ دون يحيى ، ودون إخوة جعفر. وقد يكون السبب مشتركًا، ولسنا نجد سببًا مشتركًا إلا حيازتهم للسُّلطة، خصوصًا وأن مسرورًا الخادم قد سأله بعضُ الخلفاء بعد ذلك عن حادث جعفر والعباسة، فنفاها نفيًا باتٍّا، واكد أن السبب هو السُّلطة. يتبع