يوسف الشاهد: لن أكون في الحكومة الجديدة    نبيل القروي: لا نبحث عن حقائب وزارية والحبيب الجملي لم يعرض علينا المشاركة في الحكومة    رئيس نقابة الفلاحين لالصباح نيوز: نقص حاد في اليد العاملة لجني الزيتون..والبيع والتخزين معضلة    في عملية نوعية على الحدود : الشرطة الجزائرية تحجز 21 مسدسا بحوزة تونسي    التركيبة الكاملة للإطار الفني الجديد للنجم    والد آدم يستنجد بصديقه لطفي العماري لكشف السرّ    الشاهد يشرف على تسلم الطائرة الجديدة ثنائية المحرك "آ تي آر"    نقابة الصحفيين التونسيين تستنكر منع الصحفيين من تغطية لقاء الجملي مع الشاهد    طارق الفتيتي يدعو إلى التفكير من أجل دور أكبر للأكاديمية البرلمانية    النادي الإفريقي: الليبي عكاشة يباشر .. والدريدي يختبر مهاجما كاميرونيا    سيلعب بالقميص الأسود..التشكيلة المنتظرة لمنتخبا في مواجهة غينيا الاستوائية    وزير التربية: تدهور خدمات الصحة المدرسية أضر بجودة التعليم    على طريقة الافلام : اعترافات قتلة السائح الفرنسي بسوسة    صفاقس.. تأجيل " يوم الجهات" في مدينة الثقافة ل5 ديسمبرالقادم    المنتخب الوطني يحافظ على القميص الأسود في مواجهة غينيا    أردوغان: ندرك أن الدعم الأمريكي للمليشيات الكردية في سوريا لن ينتهي على الفور    تقتل الأسماك وتقطع أرزاق البحارة.كارثة بيئية تضرب سواحل صفاقس    الناطق باسم محاكم صفاقس ل"الصباح نيوز": صورة الرضيعة مُكممة الفم تعود إلى سنة 2016    المنتخب التونسي من أجل الثأر من غينيا الاستوائية.. ومواصلة تصدر مجموعته    الكاف: غدا عرض "ذئاب منفردة" لمركز الفنون الدرامية والركحي    جندوبة: فتح تحقيق حول تصريحات والد التلميذة مها القضقاضي    ممرض يُكمّم فم رضيع.. مدير مستشفى الهادي شاكر بصفاقس يكشف الحقيقة ل"الصباح نيوز"    قضية ذبح رياض بروطة بباردو أمام دائرة الإرهاب    اصطدام شاحنتين ثقيلتين بالجم.. وهذه حصيلة الاصابات    سيدي بوزيد.. تطوّر الأسعار والتّصدّي للتّهريب والاحتكار محور جلسة عمل    النجم الساحلي: غاريدو يباشر مهامه.. ومراسلة إلى "الفيفا" من أجل كشريدة وكوليبالي    محمد الحبيب السلامي يسأل : تهمة "إخوانجي"    هام/نشرة متابعة للوضع الجوي خلال الساعات القادمة..    تنبيه/هيئة السوق المالية تحذر من عمليّة تضليل للمدخرين..وهذه التفاصيل..    مدنين: إصابة خمسة أعوان من الحماية المدنية بحروق أثناء التدخل لإطفاء سيارة قرب معبر رأس جدير    أريانة/القبض على شخص من أجل محاولة القتل العمد لعون أمن..وهذه التفاصيل..    الدنمرك تتأهل لبطولة أوروبا 2020 بعد التعادل في أيرلندا    مارشي صفاقس: أسعار الخضر والغلال واللحوم اليوم    أثناء اخمادهم لحريق بسيارة تهريب: اصابة ضابط حماية مدنية و4 اعوان اخرين بحروق بليغة    سعر صرف العملات الأجنبية بالدينار التونسي    محمد بوفارس يكتب لكم : يوميات مواطن حر    برمجة واعدة للدورة الثامنة للمهرجان المغاربي لمسرح الهواة بنابل    رسالة لطفي العماري المؤثرة إلى والد الطفل آدم    سيدي بوزيد: توجيه 15 تنبيها و12 مخالفة اقتصادية واقتراح غلق احد المطاعم    في الحب والمال/توقعات الأبراج ليوم الثلاثاء 19 نوفمبر 2019    علاج التهاب المعدة بالأعشاب    5 نصائح سهلة لخسارة الوزن خلال أسبوع    زيوت عطرية تحسن من صحة الدماغ    المستاوي يكتب لكم : مجمع الفقه الاسلامي الدولي في الدورة 24 بدبي يمضي في مواكبة المستجدات واصدار الفتاوى والقرارات    المعهد النموذجي بسوسة : آية الجوادي وميليس باباي تبدعان في الخاطرة والشعر    إسرائيل تعلن اعتراض أربعة صواريخ أطلقت من سوريا وسماع دوي انفجارات قرب مطار دمشق    الوفاق الليبية: إصابة 13 مدنيا إثر قصف جوي لحفتر على مصراتة    الصحافي المصاب عمارنة: تكافل الزملاء وكل الفلسطينيين معي يخفف عني محنتي    شام الذهبي توضح حقيقة انفصال والدتها أصالة والمخرج طارق العريان    وصول الدفعة الجديدة من قطارات الRFR    سمير السليمي : المنتخب استفاد من نقاوة الأجواء والأفضلُ المراهنة على نفس الأسماء    الديوانة تحجز 10290 كلغ من المواد الغذائية المدعمة و 21000 علبة سجائر    حظك ليوم الثلاثاء    ترحيب إسرائيلي وإدانة فلسطينية لقرار واشنطن حول المستوطنات    رجاء بن سلامة: تاريخ تونس يتجاوز 10 آلاف سنة وليس 3 آلاف سنة فقط    في الحب والمال/هذه توقعات الأبراج ليوم الاثنين 18 نوفمبر 2019    دواء جديد لعلاج سرطان الغدد الليمفاوية    حملة توعوية بالعاصمة حول مرض السكري وتاثيراته الصحية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





معهم في رحلاتهم ...مع ملّون في رحلته من بالرمو إلى تونس (3)
نشر في الشروق يوم 31 - 08 - 2019

نحاول بهذه الحلقات من أدب الرحلات إمتاع القارئ بالتجوال في العالم رفقة رحّالة وكتّاب شغفوا بالترحال وأبدعوا على اختلاف الأنظار والأساليب في وصف البلدان، سواء انطلقوا من هذا القطر أو من ذاك، مع العلم بأنّ أكثرهم من المغرب الكبير ووجهاتهم حجازيّة لأولويّة مقصد الحجّ وغلبة المشاغل العلميّة والثقافيّة على آثارهم باعتبارهم فقهاء وأدباء، على أنّ الرحلة تكون ممتعة أكثر مع آخرين جالوا في قارات أخرى.
ملّون (بول): 1061844 – 2861915.
يوم 24 ماي 1884 كتب ملّون عن قداسة القيروان وعظمتها وفخامتها كعاصمة إسلاميّة بمآذنها وقبابها الساطعة الأنوار تحت شمس حارقة، وسط أرض منبسطة جدباء مقفرة . كذلك هي في الصيف، وغير ذلك في الربيع عندما تفترش بساطا أخضر روّته أمطار أفريل، وفي ماي عندما تنفجر السنابل بالحبوب وتتضوّع طيبا مع الحصاد والدراس (ص 165 – 166). وكأنّه يؤاخذ الإدارة الفرنسيّة على التبذير بلا فائدة فيما نشرته من الثكنات عبر البلاد متسرّعة ودون دراسة حتّى تفشّت الأمراض فيها وأهمل العديد منها (ص 167 – 168) .
عاد إلى وصف المدينة بأكثر دقّة بدءا بأسوارها المنيعة المحاطة بالمقابر، وبسكّانها، المسلمين لا غير، بعدد 15.000 نسمة. لم يستطع تعداد مساجدها، غير أنّه لفت النظر إلى أعظمها وأشهرها: جامع عقبة داخلها ومقام الصحابي أبي زمعة البلوي خارجها المتّسع للزوّار والطلاّب والمتسوّلين بعديد القاعات والساحات . وعظمة جامع القيروان – في نظر هذا الرحّالة – تتجلّى في ضخامة الصومعة ووفرة الرخام بأرضية الصحن والأعمدة والتيجان بعدد 460 وفي المنبر الرقيق الصنع مقابل خشونة العمارة، وأخيرا في تخصّص الأسواق من الزرابي إلى النحاس إلى الحدادة إلى الدباغة إلى الطواحين والمخابز. أحد المشاهد ذكّره بصورة الحدّاد المعروضة بمتحف مدريد من لوحات بيلاسكاث (Vélasquez) . ثمّ أقبل الليل فهدأت الحركة وتعالت أصوات أخرى أكثر قداسة، هي أصوات المؤذّنين وتراتيل المقرئين، فأكرم بها من شاعريّة وروحانيّة تجعلك تستحضر الشرق بأكمله دفعة واحدة! ( ص 168 – 174) .
يوم 28 ماي 1884 كتب ملّون عن تونس مبتهجا بما وجد فيها – ككلّ قادم من الجنوب التونسيّ – من أسباب الراحة بعد أتعاب السفر واختلافات الأجواء والعادات . فيها نزل لائقة ومقاه عامرة وصحف مختلفة وخدمات بريديّة متّصلة بباريس وعربات لنقل الأشخاص والأمتعة وماسحو الأحذية من صغار المالطيين . إنّها باختصار حياة متحضّرة بما فيها من المباهج ( ص 175 – 176) .
تبدو تونس - كما وصفها – مدينة كبيرة تعدّ 125.000 نسمة قبل الاحتلال، فما زادتها الأحداث إلاّ روعة بانتشار أحياء جديدة بين البساتين والحقول ذات شوارع كبيرة تصطفّ على جوانبها منازل فاخرة ممّا جعل كلّ شيء يرتفع، من عدد السكّان إلى معاليم الكراء إلى أسعار أراضي البناء. وهذه مدينة أخرى تشاد بجوار المدينة العتيقة لتضمّ الكاتدرائيّة (أو الكنيسة الكبيرة) والأسواق والنزل والبنوك ومختلف المباني التي تزينها بطابع أوروبيّ ( ص 176 – 177) . وخلاصة كلّ ذلك – بتعبيره – أنّ عصرا جديدا بدأ وأنّ المستقبل لن يكون إلاّ على درب التقدّم في إشارة، طبعا، إلى فضل الاستعمار – كعادته – رغم الصعوبات الظرفيّة التي أضرّت بالتوازن بين العرض والطلب. ولكنّ الأمور – في نظره دائما – ستستقرّ بل ستتحسّن بصفة منهجيّة ومنطقيّة بفضل نباهة المجلس البلدي الحديث التكوين رغم تنوّع أعضائه حسب الجنسيّات والديانات وبفضل إبطال العمل بنظام الامتيازات الأجنبيّة، ممّا سيجعل من مدينة تونس ملكة إفريقيا الشماليّة (ص 176 – 178).
أمّا الأحواز فهي ذات أهمّية كبيرة، حيث قرطاج على عشرة كيلومترات فقط، نحو الشمال، تكفي باسمها وحده – وإن زالت أطلالها أو كادت تزول – لجلب السّائح إلى مرتفعات بيرصة (Byrsa) . وقد خصّص لها يوما بعد زيارة المرسى فكانت وقفته الأولى عند كنيسة القدّيس لويس (Saint-Louis) ومنتدى المبشّرين العاملين في إفريقيا، في موقع القلعة البونيّة القديمة. ومن هناك أشرف على أروع المناظر على امتداد خليج تونس من حلق الوادي بكنيستها إلى حمّام الأنف وزغوان بجبالهما ( ص 179 – 180).
وهناك اتّضحت جليّا لملّون خريطة قرطاج العتيقة التي رسمها ديرو دي لامال (Dureau de la Malle) وفالب (Falbe) محدّدا مواقع معبد أسكولاب (Esculape) والميناء ومعبد بعل والساحة العموميّة ومعبد ملقرط (Melkarth) ومعبد تانيت المشهور . وهناك أيضا يستحضر السائح نهاية قرطاج المأسويّة أمام رومة المنافسة بعد ماض مجيد وعنيف لم تنفع فيه قرابين الأبرياء لآلهة متعطّشة للدماء ( ص 180 – 181 ).
ومرّة أخرى، في الغد، تتملّك « صاحبنا» الذكريات والمشاعر الدافقة من التاريخ في زيارته لرادس أو آداس (Adès) الفينيقيّة وحمّام الأنف حيث دارت أولى معارك القرطاجيين ضدّ ريقولوس (Régulus) قائد الجيش الروماني الذي أرسى بالوطن القبلي (أو الرأس الطيّب) يريد قرطاج. وبدل أن ينتظره أجنادها في مدينتهم الحصينة خرجوا لاعتراضه بين جبل طونيا (Toenia) ومصبّ كاتادا (Catada)، والمقصود جبل بوقرنين ووادي مليان على حدّ وصفه ( ص 181 – 182). شبّه حمّام الأنف بمدينة تروفيل (Trouville) لموقعها الخلاّب بين الجبل والبحر، وتوقّع لها ازدهارا عمرانيّا قريبا . وذلك بالمنازل الحديثة التي شرع بعض الأهالي في بنائها أسوة بأمرائهم وبما سيحدث فيها من المنشآت والمصالح ليتمّ التشابه ( ص 182 – 183) .
وهو يقصد أوذنة (Uthina) في أمتع رحلة بنواحي تونس أدهشته حنايا هدريان (Adrien) بطول عدّة كيلومترات عند الجسر الذي كان على الوادي بارتفاع 33 م . وقد جانبها المهندسون بقناة بارتفاع 22 م لم يكتمل بعد جزؤها الرابط بين الضفّتين . في هذا المكان تحوّل ملّون – مرّة أخرى – إلى شاعر بليغ التأثّر والتعبير أمام عظمة الأسلاف وإهمال الأخلاف ( ص 183 – 184) .
(يتبع)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.