حشيشة رمضان ..سيف الدين الورغي .. طبع خفي لدى البعض    سوق الجملة ببئر القصعة: زيادة تفوق 50% في التزويد مع أول أيام رمضان    ترامب يدعو إلى دور رقابي ل"مجلس السلام" على الأمم المتحدة    عاجل: منوبة: انفجار غاز يهزّ قصر السعيد ويخلّف 5 إصابات... التفاصيل    15 سنة سجناً لمعتدٍ على طفل جنسياً في تونس    السيجارة الأولى بعد الأذان...علاش تنجم تكون "آخر" سيجارة في حياتك؟    بعد ابتزازه لدفع 200 دينار ..مقتل تلميذ أمام منزله بالمنيهلة    نجم من رمضان «شناب»... حين صنعت الإذاعة نجماً من الصوت والضحكة والذاكرة    بمناسبة شهر رمضان .. الفنّانة صابرين ليلى تصدر «خلي خلي» و«كلّو عادي»    فيها وما فيها    الطبيعة في القرآن ..ثلث عناوين السُور جاءت حول الطبيعة    الحكم على النائب أحمد السعيداني بالسجن 8 أشهر    طقس الليلة: أمطار متفرقة مع رياح قوية قرب السواحل    ما الذي يؤخر قرار واشنطن النهائي في توجيه ضربة لإيران؟.. مسؤول في البيت الأبيض يوضح    جمعية الرحمة للرفق بالحيوان تدعو الى تسريع النظر في مقترح قانون يتعلق بالتخلي عن قنص الكلاب    تعديل على مستوى برمجة سفرة السفينة "قرطاج" تونس- جنوة -تونس بسبب سوء الاحوال الجوية    وكالة التشغيل توقع اتفاقة شراكة لانتداب 1500 في قطاع الصناعات الالكترونية    السفير الأمريكي بتونس يكشف ان هناك خططا لإعادة تفعيل اللجان المشتركة ودعم قطاع مكونات الطائرات    عاجل/ يهم مستعملي قطار تونس حلق الوادي..    قناة نسمة في رمضان: جدول البرامج والمسلسلات بالدقيقة والدرج    راصد الزلازل الهولندي يحذر من ظاهرة فلكية تحدث مرة كل 36 عاماً: ما هي؟    برمجة قناة تلفزة تيفي: أوقات المسلسلات والكاميرا خفية والطبخ في رمضان    توقف منذ 2024: مصنع السكر بباجة يستأنف نشاطه الأسبوع القادم    وزير التجارة يكشف أسعار الخضر بسوق بئر القصعة في أول ايام رمضان..    عاجل/ هذه المنطقة تستيقظ على فاجعة في أول يوم من رمضان….    اختيار 36 عينة فائزة في مسابقة الديوان الوطني للزيت لاحسن زيت زيتون بكر ممتاز    عاجل: هذا هو حكم الدربي بين الترجي والبقلاوة    رامز جلال يكشف عن ضحاياه.... في نسخة «رامز ليفل الوحش»    عاجل/ ملف "ابستين"..تطورات جديدة..    عاجل/ هذا ما قرره القضاء في حق سهام بن سدرين ومتهمين آخرين..    مفتي الجمهورية للتوانسة : ''رمضان شهر العمل والجهاد موش الكسل''    فيفا ويويفا يطيّحوا القواعد القديمة لمونديال الأندية    عاجل/ تسجيل اصابة بمرض السل في هذه الولاية..    توصيات وزارة الصحة لمرضى السكري ضمانا لصيام صحي خلال رمضان    كاس تونس - قرعة الدور السادس عشر يوم 27 فيفري الجاري    ألمانيا ترحل 498 مهاجرا تونسيا غير نظامي سنة 2025    عاجل: تحذير من ملون غذائي E200: خطر يختبئ في العصائر والحلويات    بلاغ هام من الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية "cnrps"..#خبر_عاجل    بطولة كرة السلة: نتائج مباريات الجولة الرابعة إيابا لمرحلة التتويج    الرشيدية تبرمج خمس سهرات فنية متنوعة ضمن مهرجان ترنيمات في دورة تحمل اسم الفنان محمد التريكي    الترجي الرياضي: الحاج علي يثبت نفسه .. وحزم إداري في ملف أوغبيلو    كلوب بروج يفرض التعادل 3-3 على أتليتيكو برابطة الأبطال الأوروبية    هذه أوقات الصلاة لأول أيام رمضان وموعد الافطار..    السعودية وتونس تكتسحان أرقام التصدير..5 دول عربية تسيطر على الإنتاج العالمي للتمور..    دبارة اليوم للتوانسة : تنجم تكون هكا    النادي الإفريقي: دفعة معنوية قبل مواجهة نجم المتلوي    نصيحة صائم.. كيفاش تتجنب وجيعة الراس خلال الشهر الكريم؟    الماعن في رمضان؟ شوف أسهل طريقة تغسلهم من غير تعب!    سامي الفهري يعود للمنافسة التلفزية الرمضانية "بهاذي اخرتها"    معهد الرصد الجوي يتسلم الترخيص الجديد المتعلق بتقديم خدمات الرصد الجوي لفائدة الملاحة الجوية والطيران    عاجل-رمضان 2026: هذه الدول تبدأ الصيام يوم الجمعة    بطولة ايطاليا : ميلان يسقط في فخ التعادل مع كومو    8 ملايين مشاهدة خلال ساعات...عبلة كامل تعمل الBUZZ    شرطة أستراليا تحقق في رسالة تهديد لأكبر مسجد في البلاد    السجن مدى الحياة لرئيس هذه الدولة    عاجل : تفاصيل حجز مئات المليارات وتفكيك شبكات مخدرات في 2025    جلسة استماع بالبرلمان حول مقترحي قانونين يتعلقان بالتعليم العالي وإدماج المعلمين والأساتذة النواب    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



معهم في رحلاتهم ...مع ملّون في رحلته من بالرمو إلى تونس (3)
نشر في الشروق يوم 31 - 08 - 2019

نحاول بهذه الحلقات من أدب الرحلات إمتاع القارئ بالتجوال في العالم رفقة رحّالة وكتّاب شغفوا بالترحال وأبدعوا على اختلاف الأنظار والأساليب في وصف البلدان، سواء انطلقوا من هذا القطر أو من ذاك، مع العلم بأنّ أكثرهم من المغرب الكبير ووجهاتهم حجازيّة لأولويّة مقصد الحجّ وغلبة المشاغل العلميّة والثقافيّة على آثارهم باعتبارهم فقهاء وأدباء، على أنّ الرحلة تكون ممتعة أكثر مع آخرين جالوا في قارات أخرى.
ملّون (بول): 1061844 – 2861915.
يوم 24 ماي 1884 كتب ملّون عن قداسة القيروان وعظمتها وفخامتها كعاصمة إسلاميّة بمآذنها وقبابها الساطعة الأنوار تحت شمس حارقة، وسط أرض منبسطة جدباء مقفرة . كذلك هي في الصيف، وغير ذلك في الربيع عندما تفترش بساطا أخضر روّته أمطار أفريل، وفي ماي عندما تنفجر السنابل بالحبوب وتتضوّع طيبا مع الحصاد والدراس (ص 165 – 166). وكأنّه يؤاخذ الإدارة الفرنسيّة على التبذير بلا فائدة فيما نشرته من الثكنات عبر البلاد متسرّعة ودون دراسة حتّى تفشّت الأمراض فيها وأهمل العديد منها (ص 167 – 168) .
عاد إلى وصف المدينة بأكثر دقّة بدءا بأسوارها المنيعة المحاطة بالمقابر، وبسكّانها، المسلمين لا غير، بعدد 15.000 نسمة. لم يستطع تعداد مساجدها، غير أنّه لفت النظر إلى أعظمها وأشهرها: جامع عقبة داخلها ومقام الصحابي أبي زمعة البلوي خارجها المتّسع للزوّار والطلاّب والمتسوّلين بعديد القاعات والساحات . وعظمة جامع القيروان – في نظر هذا الرحّالة – تتجلّى في ضخامة الصومعة ووفرة الرخام بأرضية الصحن والأعمدة والتيجان بعدد 460 وفي المنبر الرقيق الصنع مقابل خشونة العمارة، وأخيرا في تخصّص الأسواق من الزرابي إلى النحاس إلى الحدادة إلى الدباغة إلى الطواحين والمخابز. أحد المشاهد ذكّره بصورة الحدّاد المعروضة بمتحف مدريد من لوحات بيلاسكاث (Vélasquez) . ثمّ أقبل الليل فهدأت الحركة وتعالت أصوات أخرى أكثر قداسة، هي أصوات المؤذّنين وتراتيل المقرئين، فأكرم بها من شاعريّة وروحانيّة تجعلك تستحضر الشرق بأكمله دفعة واحدة! ( ص 168 – 174) .
يوم 28 ماي 1884 كتب ملّون عن تونس مبتهجا بما وجد فيها – ككلّ قادم من الجنوب التونسيّ – من أسباب الراحة بعد أتعاب السفر واختلافات الأجواء والعادات . فيها نزل لائقة ومقاه عامرة وصحف مختلفة وخدمات بريديّة متّصلة بباريس وعربات لنقل الأشخاص والأمتعة وماسحو الأحذية من صغار المالطيين . إنّها باختصار حياة متحضّرة بما فيها من المباهج ( ص 175 – 176) .
تبدو تونس - كما وصفها – مدينة كبيرة تعدّ 125.000 نسمة قبل الاحتلال، فما زادتها الأحداث إلاّ روعة بانتشار أحياء جديدة بين البساتين والحقول ذات شوارع كبيرة تصطفّ على جوانبها منازل فاخرة ممّا جعل كلّ شيء يرتفع، من عدد السكّان إلى معاليم الكراء إلى أسعار أراضي البناء. وهذه مدينة أخرى تشاد بجوار المدينة العتيقة لتضمّ الكاتدرائيّة (أو الكنيسة الكبيرة) والأسواق والنزل والبنوك ومختلف المباني التي تزينها بطابع أوروبيّ ( ص 176 – 177) . وخلاصة كلّ ذلك – بتعبيره – أنّ عصرا جديدا بدأ وأنّ المستقبل لن يكون إلاّ على درب التقدّم في إشارة، طبعا، إلى فضل الاستعمار – كعادته – رغم الصعوبات الظرفيّة التي أضرّت بالتوازن بين العرض والطلب. ولكنّ الأمور – في نظره دائما – ستستقرّ بل ستتحسّن بصفة منهجيّة ومنطقيّة بفضل نباهة المجلس البلدي الحديث التكوين رغم تنوّع أعضائه حسب الجنسيّات والديانات وبفضل إبطال العمل بنظام الامتيازات الأجنبيّة، ممّا سيجعل من مدينة تونس ملكة إفريقيا الشماليّة (ص 176 – 178).
أمّا الأحواز فهي ذات أهمّية كبيرة، حيث قرطاج على عشرة كيلومترات فقط، نحو الشمال، تكفي باسمها وحده – وإن زالت أطلالها أو كادت تزول – لجلب السّائح إلى مرتفعات بيرصة (Byrsa) . وقد خصّص لها يوما بعد زيارة المرسى فكانت وقفته الأولى عند كنيسة القدّيس لويس (Saint-Louis) ومنتدى المبشّرين العاملين في إفريقيا، في موقع القلعة البونيّة القديمة. ومن هناك أشرف على أروع المناظر على امتداد خليج تونس من حلق الوادي بكنيستها إلى حمّام الأنف وزغوان بجبالهما ( ص 179 – 180).
وهناك اتّضحت جليّا لملّون خريطة قرطاج العتيقة التي رسمها ديرو دي لامال (Dureau de la Malle) وفالب (Falbe) محدّدا مواقع معبد أسكولاب (Esculape) والميناء ومعبد بعل والساحة العموميّة ومعبد ملقرط (Melkarth) ومعبد تانيت المشهور . وهناك أيضا يستحضر السائح نهاية قرطاج المأسويّة أمام رومة المنافسة بعد ماض مجيد وعنيف لم تنفع فيه قرابين الأبرياء لآلهة متعطّشة للدماء ( ص 180 – 181 ).
ومرّة أخرى، في الغد، تتملّك « صاحبنا» الذكريات والمشاعر الدافقة من التاريخ في زيارته لرادس أو آداس (Adès) الفينيقيّة وحمّام الأنف حيث دارت أولى معارك القرطاجيين ضدّ ريقولوس (Régulus) قائد الجيش الروماني الذي أرسى بالوطن القبلي (أو الرأس الطيّب) يريد قرطاج. وبدل أن ينتظره أجنادها في مدينتهم الحصينة خرجوا لاعتراضه بين جبل طونيا (Toenia) ومصبّ كاتادا (Catada)، والمقصود جبل بوقرنين ووادي مليان على حدّ وصفه ( ص 181 – 182). شبّه حمّام الأنف بمدينة تروفيل (Trouville) لموقعها الخلاّب بين الجبل والبحر، وتوقّع لها ازدهارا عمرانيّا قريبا . وذلك بالمنازل الحديثة التي شرع بعض الأهالي في بنائها أسوة بأمرائهم وبما سيحدث فيها من المنشآت والمصالح ليتمّ التشابه ( ص 182 – 183) .
وهو يقصد أوذنة (Uthina) في أمتع رحلة بنواحي تونس أدهشته حنايا هدريان (Adrien) بطول عدّة كيلومترات عند الجسر الذي كان على الوادي بارتفاع 33 م . وقد جانبها المهندسون بقناة بارتفاع 22 م لم يكتمل بعد جزؤها الرابط بين الضفّتين . في هذا المكان تحوّل ملّون – مرّة أخرى – إلى شاعر بليغ التأثّر والتعبير أمام عظمة الأسلاف وإهمال الأخلاف ( ص 183 – 184) .
(يتبع)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.