لا توجد دولة في العالم لا تريد أن تشغّل كل الناس، ولا توجد دولة استطاعت أن توفّر فرص العمل لكل النّاس! لم يحصل هذا لا في الشرق ولا في الغرب، لا تحت الانظمة ذات الاقتصاد الحرّ أو الانظمة ذات الاقتصاد الموجّه، ولم تبرز ولن تبرز نظرية اقتصادية تمتص كل طلبات الشغل وتوفرها لكل من يريد، بل ستبقى حقائق السوق واستثمار الدول لها هي التي تحدّد النجاح أو الفشل في هذا المجال! وفي تونس تتوفر ارادة سياسية حقيقية لاستغلال كل المجالات لتصبّ في الأخير صوب أن تكون قادرة على توفير فرص العمل وعلى امتصاص أكثر ما يمكن من اليد العاملة. وتستشرف الدولة كل ما يمكن ان يوفر مثل هذه الفرصة وتهيكل الاقتصاد ليستجيب لها وتستثمر في التكوين المهني أموالا طائلة، هذا بالاضافة الى التشجيعات المادية التي تقدمها للمؤسسات، ومع ذلك فانه لابد من صياغة ثقافة جديدة للعمل، بمعنى أنه لا بد من الوصول بقبول العديد من طالبي الشغل الى ضرورة ان تشتغل في المجال الممكن وليس في المجال الذي تتمنى أو تصرّ عليه، ولا بد من توجيه هذه الثقافة للشباب خصوصا فلا ينفر من عمل بعينه، ولا يرفض فرصة لا تتماشى مع ذوقه، وانما مع امكانياته ومع الامكانية المتوفرة للشغل! ولابد أيضا من عمل كبير تثقيفي للذين سيجتازون امتحانات الباكالوريا بحيث يقتنعون بأن سوق العمل تغيّرت، وان الاصرار على قطاعات بعينها كالطب والهندسة والمحاماة وغيرها قد لا يكون الاختيار الصحيح، ولقد ذكرنا هذه القطاعات للتدليل فقط، ولأنها قطاعات تصرّ العائلة ومنذ صغر سن ابنها على تلقينه أن النجاح في الحياة لا يتمّ الا فيها، وأن الوجاهة الاجتماعية لا تكون الا من خلالها، وها أن الاجيال الجديدة تكتشف (وبعضهم اكتشف ذلك بعد فوات الاوان) ان الارادة والسعي قد يتحققان في مجالات أخرى، وان تعريف النجاح في الحياة اختلف تماما! أعتقد أننا نحتاج الى إيصال كلّ ذلك للعائلات وللأفراد، وأعتقد أنه لا بد من تكثيف الندوات والمناسبات الاقتصادية التي يُشرح خلالها هذا الامر وتشرح خلالها الفرص الآنيّة والآجلة في قطاع التشغيل وكيفية التهيؤ له ثم الانخراط فيه حتى تكون مجهودات الدولة مواكبة ومتماشية مع ثقافة عمل جديدة، يحتاجها بلا تأكيد هذا التجديد المتواصل لاقتصاديات دول العالم كله وليس بلادنا لوحدها! بقيت اشارة بسيطة لابد من رميها وهو أن نسبة البطالة في تونس هي نصف النسبة المسجلة في أول دولة عربية خليجية منتجة للبترول!